فخر الدين الرازي
305
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يَكْذِبُونَ وعلى هذا وصفهم تعالى بأنهم مفسدون في الأرض ، وأنهم هم السفهاء ، وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ، إذا ثبت هذا فنقول : لا بد من التأويل وهو من وجوه : الأول : يحمل المرض على الغم ، لأنه يقال مرض قلبي من أمر كذا ، والمعنى أن المنافقين مرضت قلوبهم لما رأوا ثبت أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم واستعلاء شأنه يوماً فيوماً . وذلك كان يؤثر في زوال رئاستهم ، كما روي أنه عليه السلام مر بعبد اللّه بن أبي بن سلول على حمار ، فقال له نح حمارك يا محمد فقد آذتني ريحه ، فقال له بعض الأنصار اعذره يا رسول اللّه ، فقد كنا عزمنا على أن نتوجه الرياسة قبل أن تقدم علينا : فهؤلاء لما اشتد عليهم الغم وصف اللّه تعالى ذلك فقال : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً أي زادهم اللّه غماً على غمهم بما يزيد في إعلاء أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم وتعظيم شأنه . الثاني : أن مرضهم وكفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكاليف ، فهو كقوله تعالى في سورة التوبة : فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 125 ] والسورة لم تفعل ذلك ، ولكنهم لما ازدادوا رجساً عند نزولها لما كفروا بها قيل ذلك ، وكقوله تعالى حكاية عن نوح إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً [ نوح : 5 ، 6 ] والدعاء لم يفعل شيئاً من هذا ، ولكنهم ازدادوا فراراً عنده ، وقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [ التوبة : 49 ] والنبي عليه السلام إن لم يأذن له لم يفتنه ، ولكنه كان يفتتن عند خروجه فنسبت الفتنة إليه وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً * [ المائدة : 64 ] وقال : فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً [ فاطر : 42 ] وقولك لمن وعظته فلم يتعظ وتمادى في فساده : ما زادتك موعظتي إلا / شرًّا ، وما زادتك إلا فساداً فكذا هؤلاء المنافقون لما كانوا كافرين ثم دعاهم اللّه إلى شرائع دينه فكفروا بتلك الشرائع وازدادوا بسبب ذلك كفراً لا جرم أضيفت زيادة كفرهم إلى اللّه . الثالث : المراد من قوله : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً المنع من زيادة الألطاف ، فيكون بسبب ذلك المنع خاذلًا لهم وهو كقوله : قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * [ المنافقون : 4 ] الرابع : أن العرب تصف فتور الطرف بالمرض ، فيقولون : جارية مريضة الطرف . قال جرير : إن العيون التي في طرفها مرض * قتلننا ثم لم يحيين قتلانا فكذا المرض هاهنا إنما هو الفتور في النية ، وذلك لأنهم في أول الأمر كانت قلوبهم قوية على المحاربة والمنازعة وإظهار الخصومة ، ثم انكسرت شوكتهم فأخذوا في النفاق بسبب ذلك الخوف والانكسار ، فقال تعالى : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً أي زادهم ذلك الانكسار والجبن والضعف ، ولقد حقق اللّه تعالى ذلك بقوله : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [ الحشر : 2 ] الخامس : أن يحمل المرض على ألم القلب ، وذلك أن الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه ، فإذا دام به ذلك فربما صار ذلك سبباً لغير مزاج القلب وتألمه ، وحمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته ، فكان أولى من سائر الوجوه . أما قوله : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قال صاحب « الكشاف » : ألم فهو أليم ، كوجع فهو وجيع ، ووصف العذاب به فهو نحو قوله : تحية بينهم ضرب وجيع . وهذا على طريقة قولهم : جد جده ، والألم في الحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد ، أما قوله : بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ففيه أبحاث . أحدها : أن الكذب هو الخبر عن شيء على خلاف ما هو به والجاحظ لا يسميه كذباً إلا إذا علم المخبر كون المخبر عنه مخالفاً للخبر ، وهذا الآية حجة عليه . وثانيها : أن قوله : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ صريح